عاصر ابن الموقت المراكشي كبار النهضويين المغاربة الذين انصب اهتمامهم بمشكلة تخلف المسلمين عموما والمغاربة خصوصا..فقد كان له نصيب من صدمة الحداثة؛ وهو الذي عاش فترة الاستعمار الفرنسي الذي احتلت جيوشه البر والبحر بعتاد وأسلحة متطورة غير معهودة عند المسلمين؛ ثم أنشأ إدارة حديثة وقضاء مدني مخالف للقضاء الشرعي، فعطل أحكام الشريعة إلا في حيز ضيق يتعلق بأحوال الأسرة..!
هذه التحولات كانت مستفزة وصادمة للعقل المسلم ما حاد بالنخبة المغربية آنذاك لرصد مواطن الخلل في الثقافة والتربية والتعليم والأدب؛ ولم يكن ابن الموقت المراكشي بمنحى عن هذا القلق الفكري الذي دفعه للرحلة والغوص في أعماق المجتمع بشتى طبقاته وفئاته المؤثرة باحثا عن الحقيقة، متأبطا قلم النقد اللاذع لأشكال الانحراف التي يصادفها أثناء رحلته؛ فقدم لنا تراثا مهما عن ثقافة المغرب العميق الذي كانت تؤطره الزوايا والطرق الصوفية؛ هذه الأخيرة التي كانت في بداياتها معاقل لتخريج العلماء و المربين والزهاد والمجاهدين؛ لكنها مع مرور الزمن أصابها مرض الشيخوخة فأمست مرتعا لطلاب الدنيا يستغلون سذاجة العامة فيسلبونهم أموالهم وعقولهم؛ فكر عليها ابن المؤقت طريقة تلو الأخرى يعري سوءاتها ويحذر منها ويكشف مثالبها مستعينا في ذلك بمرجعيته العلمية المستندة للكتاب والسنة؛ وهو الفقيه المتمرس والأديب الأريب والمؤرخ الناقد..
يعبر في مطلع كتابه الرحلة المراكشية عن بدايات هذه المرحلة الثانية من تطوره الفكري والتي سماها مرحلة الصحو: انقلب فيها على الصوفية وطرقهم ومال إلى انتقادهم، وفسر توجهه هذا في سلوك هؤلاء الصوفية؛ إذ أنه خلال بحثه عن المرشدين إلى السعادة والصفاء النفسي والروحي، الأخيار المتصفين بالورع لم يجد إلا الأفاكين الساعين إلى جمع الأموال وادعاء المعرفة والصلاح على حد تعبيره… لذلك جرد قلمه لفضح تصرفاتهم ومخالفة أعمالهم للشريعة، واعتبرهم جناة على الأمة الإسلامية إما بجهلهم أو جمودهم أو بتلاعبهم بالشرع، واصطيادهم الدنيا بشبكة الدين.
وقد هاجم الصوفية بما في ذلك طريقته الفتحية البنانية التي انتمى إليها في مرحلة شبابه.
وقد ورد هذا الهجوم في رحلاته على الخصوص وفي كتابيه أصحاب السفينة والكشف والتبيان.
يقول رحمه الله في مطلع مؤلفه (قد شغفت منذ زمان باختبار البلاد والخلق رغبة في اللحاق بالطائفة التي لا تزال على الحق قائمة، فلم أزل أبحث عن ذلك وأركب كل صعب في التوصل لتلك المسالك، وأنتقل من بلد إلى بلد، وأنقلب في أطوار السفر من سرور إلى نكد…وصرت أفكر في هذا الدهر وعجائبه وما ناب أهله من نوائبه؛ وقلت يا ترى : هل أجد صاحبا يكون عونا على هذا المرغب الذي عز فيه الطالب والمطلب، صديقا ودودا مسفارا كثير الأخبار بثغر بسام وقلب أصبح خازنا في طيه ذكرى الحوادث الواقعة والوقائع الحادثة في المغرب؟!
فبينما أنا في منازعة هذه الأفكار، مع ما حل بي من ترادف الأكدار، إذ ظهر في الفلا غبار قد علا، فأعجزني كونه وأزعجني لونه، فرقبته على تل رقيته وحسبته امرأ خشيته، فانقشعت سحب حجبه عن رجل أخبرتني مهجته عن صدق بهجته أن له باعا في العلم طويل، وعلى مقالاته التعويل، فحين دنا مني سألني عني! فأنبأته بصدقي عن قصدي أطلعته على ما عندي؛ فقال لي أفصح عن المقال وأعرب عن الأسباب التي أوصلتك إلى هذا الحال؟!
فقلت كثرة المناكر ومشاركة الناس بعضهم بعضا في ارتكاب الكبائر والتزي بزي أهل الكتاب (يعني النصارى الفرنسيين الذين احتلوا المغرب حينها) في الظواهر والسرائر؛ وإضاعة المال في اللهو الباطل واختلاط النساء بالرجال في الأسواق والمحافل وإحياء سنن الجاهلية في تدينها وأسواقها..
فقال لي : استغفر لذنبك وتب لربك وانسلخ عن هذه البدع المحدثة في وقتك؛ ولا تقلد في دينك اليوم إلا المعصوم وليس إلا صاحب الشريعة مولانا محمد صلى الله عليه وسلم) (الرحلة المراكشية ص15 الطبعة الثالثة)
يقدم ابن المؤقت في مؤىفه الرحلة تراثا غنيا عن عوائد المغاربة وتقاليدهم وأنماط عيشهم وطرق التربية والتكوين عندهم، ويعتبرها سبب تخلفهم وقابليتهم لاحتلال الأجنبي لأرضهم وعقولهم؛ هذا التراث في تقديرنا لا يستغني عنه الباحث في علم الاجتماع المهتم بمراحل التطور السوسيولوجي للمجتمع المغربي؛ كما لا يستغني عنه الفقيه الذي يدرس فقه النوازل في مرحلة حرجة من مراحل تطور المجتمع المغربي..
*مرتكزات ومعالم المشروع الإصلاحي عند ابن المؤقت المراكشي:
يقوم المشروع الإصلاحي لابن المؤقت على مرتكزات نذكرها كما بيناها في تقديم الطبعة الثالثة للرحلة المراكشية باعتبارها أهم مؤلفات الشيخ التي تناول فيها الموضوع:
– المرتكز الأول يقوم على إعادة تشكيل وبناء العقل المغربي وفق قانون السببية بعيدا عن التصور الخرافي الخوارقي الذي رسخته الطرق الصوفية..
– المرتكز الثاني يقوم على إعادة بناء شبكة العلاقات الاجتماعية وفق منظومة القيم والأخلاق الإسلامية، وعلى رأسها العدالة والأخوة والكرامة والحرية؛ ويحمّل ابن المؤقت المسؤولية للقضاة والعلماء وخطباء المساجد ورجال التربية والتعليم.
– المرتكز الثالث: إصلاح الإدارة خاصة مؤسسة القضاء التي أولاها اهتماما كبيرا.
ويمر مشر ع الإصلاح الذي بشر به ابن المؤقت بثلاث محاور:
-المحور الأول إصلاح الفرد من خلال ترسيخ عقيدة التوحيد نقية مما علق بها من الخرافة والشركيات والتعلق بالقبور والتوجه بالدعاء الاستغاثة بمن مات من الصلحاء..
ويرى ابن المؤقت أن الحرية مطلب أساسي لتحقيق فاعلية الفرد حيث أفرد لها فصولا.
– المحور الثاني: إصلاح أعطاب المجتمع من خلال تحقيق تماسك عناصره وتوحيد قواه وزرع مبادئ الأخوة ونبذ الأنانية ونصرة المظلوم وإعانة الملهوف و الضعيف والمحتاج؛ وهو يلفت النظر إلى المجتمع الإسلامي في نشأته الأولى حيث كانت هذه القيم سائدة تمثل الدافع الأساسي والعنصر الفريد الذي تحققت به الانتصارات الأولى للفاتحين المسلمين الذين دوخوا كبرى الإمبراطوريات الرومانية والفارسية مدججة بأسلحة وعتاد وجيوش لم يكن للمسلمين معشارها لكنهم كانوا يملكون اليقين بأحقية رسالتهم التي بلغوها للعالم ويملكون عقيدة راسخة..
– المحور الثالث: إصلاح الإدارة وتحديثها وفق نظام يقوم على أربعة أضلاع: إسناد الولايات والمناصب الحكومية للأصلح- تحديد فترة الولاية- سياسة من أين لك هذا؟- تفعيل نظام الحسبة.
هكذا وضع ابن المؤقت لبنات مشروعه الإصلاحي بعد قيامه بالنقد الشامل للمجتمع؛ وإذا حاز أقرانه ممن عاشوا نفس القلق الفكري مناصب في الدولة سمحت لهم بتنزيل بعضا من رؤاهم الإصلاحية أمثال الحجوي الثعالبي(تقلد عدة مناصب في الدولة وتوفي سنة 1956) وعلال الفاسي (توفي سنة 1974) والمختار السوسي ( تقلد منصب وزير في مجلس التاج وهي وزارة مستحدثة ثابتة أسسها الملك محمد الخامس، واختير في 14 مارس/آذار 1960 قاضيا شرعيا للقصور الملكية إلى حين وفاته سنة 1963)
فهؤلاء أعلام الحركة الإسلامية الحديثة التي ظهرت في القرن العشرين والتي دعت إلى نوع من السلفية التجديدية، رفقة أعلام من المشرق محمد عبده ورشيد رضا و من المغرب الكبير محمد الطاهر بن عاشور وغيرهم.
* حفيد المؤلف

أضف تعليقا